أبي حيان الأندلسي
640
البحر المحيط في التفسير
وفي هذه الآية أقوى دليل على البعث إذ وقعت الإماتة والإحياء في دار الدنيا مشاهدة . فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قرأ الجمهور : تبين ، مبنيا للفاعل ، وقرأ ابن عباس : تبين له ، مبنيا للمفعول الذي لم يسم فاعله . وقرأ ابن السميفع : بين له ، بغير تاء مبنيا لما لم يسم فاعله ، فعلى قراءة الجمهور الظاهر أن تبين فعل لازم والفاعل مضمر يدل عليه المعنى ، وقدره الزمخشري : فلما تبين له ما أشكل عليه ، يعني أمر إحياء الموتى ، وينبغي أن يحمل على أنه تفسير معنى ؛ وتفسير الإعراب أن يقدر مضمرا يعود على كيفية الإحياء التي استغربها بعد الموت . وقال الطبري : لما اتضح له عيانا ما كان مستنكرا في قدرة اللّه عنده قبل إعادته . قال ابن عطية : وهذا خطأ ، لأنه ألزم ما لا يقتضيه ، وفسر على القول الشاذ ، والاحتمال الضعيف ما حكى الطبري عن بعضهم أنه قال : كان هذا القول شكا في قدرة اللّه على الإحياء ، ولذلك ضرب له المثل في نفسه . انتهى . وقال الزمخشري وبدأ به ما نصه : وفاعل تبين مضمر تقديره : فلما تبين له أن اللّه على كل شيء قدير ، قال : أعلم أن اللّه على كل شيء قدير ، فحذف الأول لدلالة الثاني عليه كما في قولهم : ضربني وضربت زيدا . انتهى كلامه . فجعل ذلك من باب الإعمال ، وهذا ليس من باب الإعمال ، لأنهم نصوا على أن العاملين في هذا الباب لا بد أن يشتركا ، وأدّى ذلك بحرف العطف حتى لا يكون الفصل معتبرا ، ويكون العامل الثاني معمولا للأول ، وذلك نحو قولك : جاءني يضحك زيد . فجعل في جاءني ضميرا أو في يضحك ، حتى لا يكون هذا الفعل فاصلا ، ولا يرد على هذا جعلهم آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً « 1 » ولا هاؤُمُ اقْرَؤُا كِتابِيَهْ « 2 » ولا تَعالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ « 3 » ولا يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ « 4 » من الإعمال لأن هذه العوامل مشتركة بوجه ما من وجوه الاشتراك ، ولم يحصل الاشتراك في العطف ولا العمل ، ولتقرير هذا بحث يذكر في النحو . فإذا كان على ما نصوا فليس العامل الثاني مشتركا بينه وبين : تبين ، الذي هو العامل الأول بحرف عطف ، ولا بغيره ، ولا هو معمول : لتبين ، بل هو معمول : لقال ، وقال جواب ، لما أن قلنا : إنها حرف وعاملة في ، لما أن قلنا إنها ظرف ، و : تبين ، على هذا
--> ( 1 ) سورة الكهف : 18 / 96 . ( 2 ) سورة الحاقة : 69 / 19 . ( 3 ) سورة المنافقون : 63 / 5 . ( 4 ) سورة النساء : 4 / 176 .